صديق الحسيني القنوجي البخاري
158
فتح البيان في مقاصد القرآن
تمام التبكيت والتعجيز لم يتأثروا لذلك ولم يذعنوا للحق ، بل تمادوا في عناد واستكبار عن الحق ونفور عنه ولم يعتبروا ولا تفكروا ، قال الرازي : واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه ، والعتو العناد والطغيان ، والنفور الشرود وقال ابن عباس : في عتو ونفور أي في ضلال . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 22 إلى 26 ] أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 23 ) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى مثل ضرب للمشرك والموحد توضيحا لحالهما وتحقيقا لشأن مذهبهما ، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حالهم وخرورهم في مهاوي الغرور ، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور ، وعدم اهتدائهم في مسلك المحاجة إلى جهة يتوهم فيها رشد في الجملة ، فإن تقدم الهمزة عليها صورة إنما هو لاقتضائها الصدارة ، وأما بحسب المعنى فالأمر بالعكس كما هو المشهور حتى لو كان مكان الهمزة هل لقيل : فهل من يمشي مكبا الخ . والمكب والمنكب الساقط على وجهه يقال : كببته فأكب وانكب وقيل هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يمينا ولا شمالا ولا أماما فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه ، وقيل : أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق ، فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه ، والمكب اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكبه ، يقال : كبه اللّه على وجهه في النار فأكب أي سقط . وهذا على خلاف القاعدة من أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيره متعديا ، وهنا قد دخلت على المتعدي فصيرته لازما ، قال قتادة : هو الكافر يكب على معاصي اللّه سبحانه في الدنيا فيحشره اللّه يوم القيامة على وجهه ، والهمزة للاستفهام الإنكاري ، والمعنى هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده . أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا قائما معتدلا ناظرا إلى ما بين يديه سالما من الخبط والعثار عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي على طريق مستو ، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه ، قال ابن عباس : مكبا في الضلالة وسويا مهتديا قيل يعني بالمكب أبا جهل وبالسوي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : أراد بمن يمشي مكبا من يحشر على وجهه إلى النار . ومن يمشي سويا من يحشر على قدميه إلى الجنة ، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه ومثله قوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ وخبر « من » محذوف لدلالة خبر « من »